عبد الوهاب الشعراني
12
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
المرحلة الثّالثة : الدّاخل في طريق القوم : ولمّا درج على حفظ المتون ، ولمّا استغرقها حفظا وفهما ورواية ، تجلّت مرحلة جديدة في حياته ، وليس المقصد من هذا المتقدّم أنّ هذه المراحل متفاصلة ، بل هي مسيرة حياة متواصلة ، تؤسّس كلّ مرحلة لما سيعقبها ، بل قد تتداخل واحدة بأخرى ، ولعلّ لهذه المرحلة إرهاصات وعلائم كانت قد ظهرت ، بل مهّدت لها في المرحلة الثّانية والأولى ، فقد حفظ كتاب " الرّوض " كما تقدّم ، ولكنّ المفصل الرّئيس أنّه حفظ باب " القضاء على الغائب " في الفقه في المرحلة الثّانية ، فلقيه مرّة بعض أرباب الأحوال ، فقال له مكاشفا : قف على باب " القضاء على الغائب " ، ولا تقض على غائب بشيء " ، ثمّ لقيه شيخ آخر ، وهو أحمد البهلول « 1 » ، فقال له مكاشفا : أقبل على الاشتغال باللّه ، ويكفيك من العلم ما قد علمته ، فشاور في ذلك مشايخه فقالوا له : لا تدخل طريق القوم إلّا بعد شرح محفوظاتك على الأشياخ ، ففعل ، فشرحها على نحو خمسين شيخا أتى على ذكر مناقبهم في مصنّفه " لواقح الأنوار في طبقات الأخيار " ، فقرأ " شرح المنهاج " للجلال المحلّي ، و " شرح الرّوض " للشّيخ زكريّا ، وكذلك " شرح جمع الجوامع " ، و " حاشية الشّيخ كمال الدّين بن أبي شريف " ، وقرأ عليه " ألفيّة ابن مالك " ، و " ألفيّة العراقيّ " ، و " شرح التّوضيح " للعيني ، و " شرح الشّواهد " للعيني ، وقرأ عليه الكتب السّتّة في الحديث « 2 » ، وقرأ وقرأ من معين لا ينضب ، ولعلّ هذا يكثر إن تتبّعته ، وقد أوردت أمثلة تنبّه على الغرض الذي قصدته ، وهو أنّ حفظه المتون وقراءتها على الأشياخ كان قبل الدّخول الحقيقيّ في طريق القوم ، والتّفرّغ التامّ له . ولمّا كان له ذلك ، جاهد نفسه مدّة ، وقطع العلائق الدّنيويّة ، ومكث مدّة لا يضطجع على الأرض ليلا ولا نهارا ، بل اتّخذ له في سقف خلوته حبلا ، فجعله - كما يقول المناويّ - في عنقه ليلا حتّى لا يسقط ، وكان يطوي الأيّام المتوالية ، ويديم الصوم ، ويقتصر على الفطر بأوقيّة من الخبز ، واستمرّ على تلكم المجاهدة حتّى قويت روحانيّته « 3 » ، وكان من ثمار هذه المرحلة أنّه تصدّى للتّصنيف ، فكان مكثرا ، فتردّدت
--> ( 1 ) انظر ترجمته : الشعراني ، لواقح الأنوار ، 2 / 745 ، والمناوي ، الكواكب الدرية ، 3 / 326 . ( 2 ) انظر ما قرأه على الشيوخ فيما رواه عن نفسه في المنن الكبرى ، 57 - 60 . ( 3 ) انظر : المناوي ، الكواكب الدرية ، 3 / 394 .